????
 
October 27, 2011
Speeches & Interviews | كلمة الأستاذ عدنان أحمد يوسف رئيس مجلس الإدارة في المنتدي الاقتصادي الخليجي – الفرنسي الثاني

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحضور الكريم

أيها الإخوة والأخوات،

 السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 إن مشاركتي اليوم في هذا اللقاء، تشكل بالنسبة لي فرصة مهمة للتعرف عن قرب على الفرص المتاحة في السوق الاوروبي بشكل عام والفرنسي بشكل خاص  وكذلك تبادل الافكار حول افاق التعاون فيما بين نخب المال والاعمال الخليجية ونظرائهم الفرنسيين بما يسهم في تقوية وتعزيز العلاقات الخليجية ـ الفرنسية.

وهو لقاء يكتسب اهمية خاصة في ظل الظروف الحالية المليئة بالمتغيرات ذات التاثير المباشر على الاستقرار العالمي على الصعيدين الاقتصادي والسياسي والتي نذكر منها:

- أزمة الديون السيادية خصوصا في جانبي الاطلسي، وتفاصيلها معلومة لكم.

- تغير المناخ وبروز ظواهر طبيعية بصورة متكررة مثل الجفاف في القرن الافريقي، الفيضانات والسيول ، وهو ما اثر على الانتاج العالمي من الحبوب وساهم بشكل مباشر في إرتفاع اسعارها وإرهاق ميزانيات الدول الفقيرة.

- التغييرات السياسية في بعض الدول العربية والافريقية وما نتج عنه من تأثير مباشر على الاوضاع الاقتصادية لهذه الدول نتيجة لتباطؤ النمو، وارتفاع الطلب على الاستدانة الخارجية بمعدلات اعلى حيث تشير التقارير الاقتصادية الدولية مثل تقرير الدين العام العالمي الذي تصدره مجلة الايكونميست فعلى سبيل المثال نجد ان دولة كمصر سيرتفع الدين العام فيها خلال السنة القادمة الى حوالي 213 مليار دولار امريكي، بعد ان كان في حدود مبلغ 193 مليار دولار في العام 2011، و171 مليار دولار في العام 2010 اي بزيادة تقارب نسبة 10%، وكما هو معلوم لكم فإن لهذا تأثير مباشر على حالة الاستقرار الاقتصادي والسياسي بسبب ارتباطه بالظواهر الاقتصادية السلبية ( التضخم او الانكماش)

 كما تشكل هذه المشاركة فرصة مهمة لي، كمتحدث في جلسة أعتبرها غاية في الأهمية، أعني بها "التمويل الإسلامي في خدمة المبادلات والإستثمارات" ليس لأنني ارأس احدى اكبر المجموعة المصرفية الاسلامية على مستوى العالم، أو لأنني أنتمي إلى هذه المدرسة في الصيرفة، بل لأن الصيرفة الإسلامية بحد ذاتها كمدرسة مالية لها فكرها، وفلسفتها، وادواتها العملية أثبتت جدواها على الصعيدين الفكري والعملي، واصبح الطلب على ادواتها في تزايد مستمر. 

وليس ادل على نجاحات هذا النموذج من الصيرفة من التالي :

- النمو في حجم الاصول تحت الادارة يتم بوتيرة تتسم بالثبات تقريبا ( زيادة سنوية تبلغ 20% تقريبا)، حيث تشير التقديرات الان الى ان حجم الاصول يبلغ حوالي تريليون دولار تقريبا.

- الانتشار الجغرافي الواسع تأكيدا على عالمية النموذج من الناحية الفكرية فهي - اي صناعة المال الإسلامية - موجودة في الكثير من دول العالم بما في ذلك دول الاتحاد الاوروبي في شكل مؤسسات او في شكل منتجات وخدمات وأدوات ( أكثر من 400 بنك للتمويل بالتجزئة او الاستثمار، وضعف هذا العدد تقريبا من صناديق الاستثمار، وعدد مقدر من شركات التأمين والتكافل.

- القدرة على التجديد والابتكار

- تزايد الطلب على ادوات التمويل الاسلامي على مستوى تمويل الدين العام (صكوك سيادية مثل صكوك البحرين)، صكوك بلديات (المانيا) وهو ما يفتح افاقا واسعة للاستفادة من هذه الادوات في تحقيق الاستقرار الاقتصادي مثل الاصدار المشترك للصكوك لتمويل الديون السيادية.

- تزايد أهتمام المجتمع المالي الدولي بدراسة النموذج الفكري للصيرفة الاسلامية، والعمل على الاستفادة من ادواتها في تقديم معالجات وحلول لبرامج تمويل التنمية وخلق فرص للعمل ( قمنا مؤخرا في مجموعة البركة المصرفية بتوقيع مذكرة تفاهم مع المجموعة الاستشارية لمساعدة صغار المنتجين وهي مؤسسة بحثية تابعة للبنك الدولي للتعاون البحثي في مجال التمويل متناهي الصغر)، وهو من اكثر المجالات التي تساعد بشكل او باخر على خلق فرص للعمل.

أيها الإخوة والأخوات،

إن النموذج الفكري للمصرفية الاسلامية يقوم على ثلاثة مرتكزات اساسية:

- مقاصد الشريعة : وهي تعنى بضرورة الالتزام بالضوابط الكلية الحاكمة لمجالات التبادل الاقتصادي بحيث لا يكون النشاط موضوع العلاقة الاقتصادية محرما في حد ذاته أو لا يحقق المصلحة العامة مثل عمليات التمويل التى تنطوى على تشغيل أطفال، تمويل برامج التسلح خاصة اسلحة الدمار الشامل، الكازينوهات ومراكز لعب الميسر واللهو.

- الاليات: وتشمل كافة الصيغ المباحة وتعمل كغطاء شرعي وقانوني لتكييف وتقنين الهيكلة وعلاقة التبادل وفقا لاحكام الشريعة الاسلامية.

- المالات: وهي النتيجة المرتجاة من عملية التبادل الاقتصادي بحيث تكون نتيجة التمويل محققة لمصلحة الفرد والمجتمع فعلى سبيل المثال لا الحصر يجب أن يكون ناتج عملية تمويل إحدى مؤسسات قطاع المنشات الصغيرة والمتوسطة خلق فرص عمل جديدة، أو زيادة الدخل لصاحب المنشاة والعاملين معه ويجب أن يتم توضيح هذه النتيجة بصورة واضحة في مستندات العملية (التحليل الائتماني للعميل).

بالنظر  الى المرتكزات الاساسية اعلاه التي يقوم عليها النظام المالي الاسلامي ومحاولة ربطها بموضوع هذا المنتدى المتعلق بتفعيل التعاون فيما بين فرنسا ودول مجلس التعاون الخليجي استطيع القول وبكل ثقة ان هذا النظام يمكن له أن يكون بمثابة القلب الذي يضخ الدم في شرايين افاق ومجالات التعاون الاقتصادي والرابط فيما بين الشراكات بين مختلف مكونات مجتمع الاعمال في كلا الجانبين.

 الحضور الكريم

قبل ان اتحدث عن مجالات التعاون الممكنة وهي كثيرة لابد لي من الاشارة إلى تعليقين لهما علاقة بما يدور الان على ساحة مجتمع المال الدولي حول الازمة المالية في جانبي الاطلسي. التعليق الاول كان من الدكتورة كريستين لاجارد، المدير العام لصندوق النقد الدولي، التي أطلقت تحذيرا محددا حول الاثار المتوقعة لازمة الديون الاوروبية على الاقتصادات الناشئة بما يشبه التأكيد على حتمية حدوث هذا التأثير، وهو تحذير لابد ان يؤخذ على محمل الجد خصوصا عندما يصدر من شخص في مستوى السيدة كريستين .

التعليق الاخر كان من السيد جوزف أكرمان، رئيس بنك دوتشة الالماني الذي تحدث عن صندوق الانقاذ الاوروبي والذي سيركز بشكل اساسي على الديون السيادية لدول الاتحاد الاوروبي ، حيث قال ما مفاده أن التركيز يجب أن يكون على إيجاد معالجات لموضوع خلو الديون السيادية من المخاطر وعدم الانجرار وراء حزم معالجات دعم المراكز المالية للبنوك.  

"It is not the capital position which is the problem, but the fact that sovereign debt as an asset class has lost its risk-free status,"

وهو أيضا تعليق صادر من رجل له خبراته ومعرفته التى تستحق الاحترام، وبالتالي فيجب النظر اليه بما يستحقه من تقدير واهتمام وفي سياق ما اشارت اليه السيدة كريستين.

وهنا لابد لي من الاشارة إلى الدور الذي يمكن تلعبه الصكوك الاسلامية في تمويل الديون السيادية وكذلك في تنشيط واحداث نقلة كبيرة على صعيد تحريك جمود ساحة النشاط الاقتصادي من خلال استخدامها لتمويل المشروعات الانتاجية. والصكوك كما تعلمون تمثل إحدى أهم أدوات الاستثمار الاسلامي ، وقد شهد هذا السوق نموا كبيرا خلال العقد الماضي حيث بلغ وفقا لبعص الاحصائيات ما يقارب المائة وسبعين مليار دولار بنهاية النصف الاول من العام الحالي. وعلى صعيد الديون السيادية فقد اشرت لتجربة البحرين في مستهل هذه الورقة ولابد لي هنا من الاشارة الى تجربة اخرى و هي التجربة السودانية ، حيث تشير اخر التقارير الصادرة عن السوق المالية الاسلامية الدولية إلى ان هذه الدولة قد تمكنت من اصدار صكوك بما يعادل 13 مليار دولار تمثل حوالي 8% من إصدارات الصكوك على المستوى الدولي، وهي كلها إصدارات محلية.

أيها الحضور الكريم،

قصدت من الاشارة إلى موضوع الصكوك كمثال للتدليل على إمتلاك صناعة المال الاسلامية للادوات اللازمة للاسهام بإيجابية كعضو فاعل في النظام المالي العالمي للمساهمة في توفير مظلة هيكلية لتمويل الديون السيادية وهناك تجارب وخبرات عملية كافية للغاية للتعامل مع كل حالة على حدة، وما دون ذلك فلدينا الخبرة والتجربة الكافية لتحقيق تطلعات شعوبنا، فإذا أخذنا حالة العلاقة فيما بين دول مجلس التعاون الخليجي وفرنسا على سبيل المثال فإن من اهم مجالات التعاون التي يمكن لصناعة المال الاسلامية لعب دور ايجابي فيها نذكر التالي:

- التعاون فيما بين البنوك الفرنسية والخليجية الاسلامية في تمويل مشروعات البنية التحتية فمثلا يمكن ان تكون هناك شركة فرنسية وقع عليها الاختيار لتنفيذ مشروع قطار الخليج العربي، فستكون هذه الشركة بحاجة لتمويل من بنك لديه الخبرة بالسوق المحلي.

- التعاون فيما بين البنوك المركزية في الجانبين في مجال بحوث ودراسات تمويل الديون السيادية.

- تسهيل عمل البنوك الاسلامية الخليجية لدخول السوق الفرنسي خصوصا في جانب التشريعات التي تتلائم مع طبيعة النظام المالي الاسلامي. وهو ما سيساعد بالضرورة في جانب تسهيل تدفق الاستثمارات الخليجية في السوق الفرنسي.

- التعاون في مجال المنشات الصغيرة ومتوسطة الحجم وتشجيع الشركات الفرنسية الناجحة في هذا المجال للانتقال بتجربتها ومعرفتها للسوق الخليجي بما يساعد على تبادل المنفعة ونقل التجربة والمعرفة بين الطرفين.

- النظر في تأسيس صندوق مشترك لتمويل مشروعات المنشأت الصغيرة والمتوسطة في كلا الجانبين على أن تكون المبادرة لتاسيس هذا الصندوق من جانب اتحاد الغرف التجارية الخليجية والغرفة التجارية الفرنسية وتدعم من قبل السلطات والجهات الحكومية ذات الصلة من كلا الجانبين.

- قيام اتحاد الغرف الخليجية بتوفير مواد تعريفية وتثقيفية عن القوانين والتشريعات المنظمة للاعمال باللغة الفرنسية وأتاحتها لرجال الاعمال الفرنسيين حتى يتم التعرف على بيئة العمل بشكل افضل، وعلى الغرفة التجارية الفرنسية القيام بخطوة مماثلة.

 قصدت من المقترحات أعلاه أن العلاقة يمكن أن تذهب إلى افاق أبعد من مجرد علاقات للتبادل فيما بين النخب المالية أو رجال الاعمال، إلى شراكات حقيقية يمكن لها ان تحقق الهدف المنشود في تحقيق تطلعات الشعب الفرنسي والشعوب الخليجية .

 أختم بهذا واشكركم على حسن الاصغاء، وأعتذر على الإطالة، وأتمنى لمؤتمركم تحقيق الأهداف المرجوة منه،

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

Read more speeches-interviews