|
معالي دولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي،
أصحاب المعالي والسيادة الوزراء ومحافظو البنوك المركزية، والمسئولين
الأفاضل قيادات المصارف العربية
ممثلو الصحافة والإعلام،
أيها الإخوة والأخوات،
يشرفني في البداية أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير لدولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نجيب ميقاتي على تفضله بالرعاية الكريمة وحضور الجلسة الافتتاحية لهذا المؤتمر، كما يسعدني أن أرحب بكم جميعاً في بيروت الحبيبة التي عودتنا في كل عام على احتضان هذا الملتقى الكبير بما يتناوله من مواضيع وقضايا هامة في مجالات العمل المالي والاقتصادي خصوصاً في ظل التطورات التي يشهدها العالم والأحداث السياسية التي تشهدها بعض الدول في منطقتنا العربية.
كما أود أن أعرب عن ترحيبي بالمشاركين في أعمال هذا المؤتمر من الدول الشقيقة والصديقة، وممثلي الهيئات الاقتصادية والمالية الإقليمية والدولية، والجهات والمؤسسات المتعاونة والراعية ولكل من ساهم في إنجاحه ، والشكر موصول كذلك للإخوة المحاضرين ومعدّي الأوراق والبحوث والمعقبين عليها، والسادة المشاركين في إدارة حلقات النقاش.
دولة الرئيس،
أيها الإخوة والأخوات،
يأتي إنعقاد هذا المؤتمر ونحن لا نزال نشهد تداعيات الأزمة المالية العالمية على مسيرة إنتعاش الإقتصاد العالمي، بينما العالم لا يزال منهمكاً بوضع الحلول للخروج منها، وفي الوقت نفسه تشهد منطقتنا العربية إضطرابات سياسية خطيرة تنعكس مباشرة على الأوضاع الإقتصادية والنظم المالية في تلك الدول، الأمر الذي وضعنا أمام تحديات كبيرة لا بد من مواجهتها والحد من تأثيراتها والعمل على ترسيخ الإستقرار السياسي والإقتصادي في بلداننا العربية.
يبدو أن الأحداث التي تشهدها بعض دولنا العربية الشقيقة ستكبد إقتصادات هذه الدول خسائر كبيرة، ففي ظل إعلان مؤسسات مالية ومصرفية إقليمية ودولية عن توقعات منخفضة لمعدلات النمو، وتشير إلى توقع تباطؤ في بعض هذه الدول وإنكماش في بعضها الآخر، حيث تشير بيانات حديثة لصندوق النقد الدولي إلى أن الإقتصاد المصري سيحقق معدل نمو بواقع 1.21% خلال العام الجاري مقابل 5.14% في العام الماضي، في حين سيتجمد الإقتصاد التونسي عند المستوى نفسه للعام الماضي وبمعدل نمو نسبته 0.07%. ونبهت البيانات نفسها إلى أن الإقتصادين السوري واليمني سينكمشان العام الحالي بواقع 2.02% للأول و 2.42% للثاني. لذلك، وأمام هذا الواقع، فقد بات من الضروري إعلان حالة طوارئ إقتصادية عربية للحد من تأثير هذه الأحداث على إقتصادات هذه الدول من جهة، وتخفيف تأثر الدول العربية الأخرى بالأزمات الإقتصادية الخارجية من جهة أخرى.
ومع ذلك، فأننا نعتقد أن الأداء الاقتصادي وخاصة لمصر وتونس سوف يتحسن خلال السنوات القادمة، حيث أن الحالة السياسية الراهنة هي حالة مؤقتة، كما أن مؤسسات التصنيف الدولية حافظت على تصنيفاتها لبعض هذه الدول، وبالتالي، فأن هذه الدول سوف تشهد مرحلة من النمو الاقتصادي والجذب الاستثماري حالما تدخل مرحلة الاستقرار السياسي. وفي هذه المناسبة، فأننا ندعو المصارف العربية لزيادة استثماراتها في الدول العربية، خصوصا بعدما أثبتت تجربة الأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة أن الاستثمار في الاقتصاديات الوطنية والعربية هو أأمن بكثير من الاستثمار في الدول المتقدمة.
ومن الضروري أيضاً في ظل هذه الأحداث الإستثنائية غير المسبوقة في منطقتنا العربية، العمل على ضبط الموازنات العامة وخفض العجز فيها، وإعادة جدولة الأولويات في الإنفاق الحكومي من خلال التركيز على الإنفاق الإجتماعي والإنفاق المنتج، فضلاً عن ضبط معدلات التضخم وأسعار السلع الإستهلاكية بشكل خاص، كي لا تترافق الأحداث السياسية مع ضغوط إجتماعية ومعيشية. كما يتوجب على حكوماتنا العربية خلق محفزات لإعادة تنشيط الطلب المحلي، عبر تشجيع المصارف إلى زيادة الإقراض المحلي، ومن ثم رفع حجم السيولة لدفع العجلة الإقتصادية، بالإضافة إلى التركيز على ضبط العجز في الميزان التجاري وميزان المدفوعات والحد من تسرب الإحتياطيات النقدية بالعملات الأجنبية.
وأود أن أشدد هنا على أهمية حماية الإقتصادات العربية من تأثيرات الأزمات الإقتصادية والمالية العالمية، وذلك بخفض تركز الإستثمارات العربية في الدول الأجنبية التي تواجه مشكلات إقتصادية ومالية خطيرة، والعمل بالمقابل على تنويع إستثماراتها والتوجه إلى الدول الصاعدة والنامية، ومن بينها الدول العربية طبعاً.
كما أود أن أشدد على أهمية رفع مستويات الإستثمار في قطاعات الإقتصاد الحقيقي نظراً لإنخفاض مخاطرها، مع إمكانية الحصول على عائد مرتفع على المدى المتوسط والطويل، وتنويع سلة الإحتياطيات النقدية الأجنبية، وتسريع الإندماج الإقتصادي والمالي والنقدي العربي لمواجهة الضغوط الإقتصادية بشكل جماعي.
أيها الإخوة والأخوات،
لذلك، كان عنوان مؤتمرنا هذا "مستقبل العالم العربي في ظل التحولات الراهنة" إيماناً منا بأن القيادات والنخب المشاركة فيه ستعمل جاهدة لوضع التصورات والأفكار والخطط التي تخدم مسيرة الإستقرار الإقتصادي والمالي في منطقتنا العربية، لأن الأمر يتطلب منا جميعاً الإسراع في تطبيق برامج إصلاح إقتصادي ومالي شاملة ضمن خطة تنمية إقتصادية وإجتماعية ذات آجال مختلفة، تأخذ في الإعتبار متطلبات النمو الإقتصادي المستدام، وتوفير فرص العمالة المناسبة والإستخدام الأمثل للموارد الإقتصادية وتحديد الطاقات الإنتاجية الكامنة في منطقتنا العربية.
أيها الحضور الكريم،
وفي هذه العجالة، لا بد من أن ألقي الضوء على آخر مستجدات آداء إقتصاداتنا العربية وقطاعنا المصرفي العربي، وإحتمالات تأثر منطقتنا بالأزمات الحالية.
هذا القطاع الذي يضم نحو 430 مؤسسة مصرفية يمتلك اليوم إمكانات مالية وبشرية كبيرة، ويدير حوالي 3 تريليونات دولار من الموجودات، ويستند إلى قاعدة ودائع تزيد على 1.5 تريليون دولار، ويعمل بقاعدة رأسمالية تفوق 300 مليار دولار.
أيها الحضور الكريم،
إن إحتمالات تأثر دول المنطقة بالأزمة الحالية لا زالت بعيدة للغاية، رغم تزايد القلق من دخول الإقتصاد العالمي في ركود مجدداً، وربما في حالة كساد لأسباب تتعلق في المقام الأول بطبيعة إقتصادياتنا ونجاحنا إلى حد كبير في إحتواء تداعيات أزمة 2007 ـ 2008 بحمدالله.
ولكن هذه الإحتمالات ستزداد إذا ما أدت الأزمة الحالية إلى تدهور النمو العالمي، ما سيؤدي إلى هبوط أسعار النفط وسيؤثر بالتالي على النشاط الإقتصادي في دول المنطقة. أما بالنسبة للدول التي شهدت حراكاً سياسياً نتوقع أن تتأثر الأوضاع الإقتصادية فيها بتباطؤ النمو، وإرتفاع الطلب على الإستدانة الخارجية بمعدلات أعلى من ذي قبل.
أتمنى لمؤتمرنا النجاح في تحقيق الأهداف المرجوة منه.... وفقنا الله وإياكم لما فيه خير أمتنا العربية وتقدم اقتصاداتها لما فيه مصلحتنا جميعا .
شكراً لإصغائكم. |